وباء الكورونا

0

محمد فاضل محمد اسماعيل (Obrero)

لا يختلف اثنان على ان نظام الرأسمالية الذي يقود عالمنا اليوم هو نظام اعمى يعبد الربح، إن كان ربحه امامه كان تقدميا وإن جُعل خلفه كان رجعيا، وإن كان ربحه في مصلحة العالم خدمه، وإن وقفت هذه المصلحة في وجه ربحه استمات في تحقيقه حتى ولو تطلب ذلك تدمير العالم، لن يأتي اي خبير بجديد ضمن هذه المسلمات، لانها اكثر من مشهودة، ولكن لا بأس بتذكيرنا بطبيعة الرأسمالية، كما انه لا بأس ايضا في التذكير بعيوب الاشاراكية من جهة أخرى، تلك العيوب التي ادت الى تفكيك الاتحاد السفستي، واشك في خلو النظام الصيني منها، رغم الترويج له في هذه الايام. “مَعْلُومَ حَجْتَك إلَى سَلْكَتْ مَنْ حَجَّتْ صَاحْبَكْ” و”اللي احسب وحدو إشيطلو” مما يجعل التغيير الى حد الان غير متاح في اعتقادي او على الاقل سيستثني طبيعة الانظمة.

ما يعني انه لا بديل حتى الان على الاقل، لهذا النظام الرأسمالي المستهتر على الربح وبوحشية فائقة، لان البديل لا يكون الا بما يلهم البشرية ويلبئ حاجاتها، ولو نظريا، الشيئ الذي لم يحدث بعد. فنستمر إذن ونستمر محكومين بمفاهيم السياسة الاقتصادية المحضة بقدر من الوقاحة وتغليب المفاهيم المادية على اي شعور انساني او اخلاقي، رغم مقتنا له، غير ان هذه الجائحة التي تجتاح العالم تلحق به دمارا مهولا في شتى الميادين، ستقلب الكثير من المفاهيم، حيث “تتعرضت ثوابت التفاعلات الاقتصادية لتغيرات هيكلية نتيجة الانتشار السريع لهذا الفيروس، فتصاعدت الأعباء الاقتصادية التي تواجهها الاقتصادات الوطنية، وتزايدت معدلات الفقر وتهديدات الأمن الغذائي.

ونتيجة لذلك، توسعت الدول في أدوارها الاقتصادية بالتوازي مع التحولات في ثوابت المالية العامة، كما بدأت الشركات الصغرى تواجه معضلة البقاء مقابل صمود الشركات القوية، وحققت أنماط الاقتصاد الافتراضي مكاسب. ويتوقع أن تسفر هذه الأزمة عن تشكل “عولمة التباعد الدولي” التي تقوم على الارتداد للداخل، والتركيز على الاقتصادات الوطنية، وتقليص التجارة والسياحة، في مقابل التوسع في تجارة الخدمات ونقل التكنولوجيا وأنماط الاقتصاد الافتراضي”.

وقد تأخذ السياسة الاجتماعية الانسانية حيزا مهما في مجمل العلاقات في المستقبل، واظن ان تغيرات مؤثرة ستطرأ على العالم في هذا الصدد على مستوى العلاقات الدولية وسيكون لها دور في كل اوجه التعامل، وقد لا يؤثر ذلك كثيرا على بنية الانظمة وطبيعتها، ولو ان معالم ذلك لم تتجلى بوضوح بعد، ولكن رياح كورونا تحمل في شراعها امور جديدة لا تقاوم، ومن المفروض ان تتكيف معها كل الدول لا محالة.

ان الحديث عن تداعيات وانعكاسات هذه الجائحة على خريطة التوازنات وموازين القوى داخل النظام العالمي الراهن ليس ترفا فكريا أو ضرب من الخيال، لان بوادره بدأت تطفو على السطح، وقد تلعب القوى الوطنية ومسائل اصلاح الشأن الوطني في كل بلد دورا اكبر من ذي قبل في معالجة آثاره، وسيتضاءل التأثير المتبادل للدول فيما بينها مقابل ذلك. وستتضاءل سيولة الدعم الدولي وتنتج عن ذلك ازمات وحتى مجاعات نتيجة لنقص الهيبات والتبرعات والمساعدات والتبادلات، نتيجة انشغال الدول بشؤونها الخاصة، مما يترتب عنه عودة الدول لإعتماد كثيرا على امكانياتها الذاتية لتخطي الازمة.

مع امكانية تغير في الهيئات الدولية والقلاقات الدولية عموما. فالنكن نحن ضمن هذا العالم المترامي الاطراف الذي تعلو سفنه امواج عاتية كامواج المحيطات، واعين بما ينتظرنا لنحضر انفسنا لما هو آتي ونأخذ الوقت الكافي لنتعلم التجذيف في مياهه المتقلبة الاطوار، وخاصة إن افترضنا ان هذا الوضع رغم سلبيته يصب في مصلحتنا، باعتباره يجعل الكثير من الاعداء ينشغل بنسه، كما انه يوفر لنا فرصا كثيرة للتسلل عبر فجوات في العلاقات الدولية ستحدث لا محالة يمكننا استغلالها لفرض سيادة الدولة الصحراوية.
2020/04/21
محمد فاضل محمد اسماعيل obrero

Leave A Reply

Your email address will not be published.