الدرجة لا تهان (“الدَّرْجَة مَا يُشَلْوَدْ بِهَا”)

0

بقلم محمد فاضل إسماعيل (Obrero)

لقد قطعنا نحن مناضلو الجبهة الشعبية العهد على انفسنا على ان نحق الحق ونصون الامانة ونمضي في المسيرة التحريرية حتى تتكلل بنصر الشعب الصحراوي على كل اعدائه وإقامة دولته سيدة فوق وطنه الحبيب، مهما كلف ذلك من ثمن وتطلب من وقت، وسنلقى ربنا متمسكون بهذا العهد، يحذونا الامل مهما إعترض سبيلنا من عراقيل، وهذا عهد لا ريبة فيه، ولا سيما ونصرنا اكيد، تلوح معالمه في الافق وضمانات افتكاكه متوفرة، بالاعتماد على اللّٰه وعطاء شعبنا المقدام الكريم الذي لا يضاهيه شعب في الصبر والتضحية وحب الوطن، ولو ان العطاء يتفاوت درجات بين الناس، كل على قدر كرمه وسخائه والشيمة المتجذرة في شعبنا هي الكرم لا ريب، وكما هو معلوم، ليس من الصعب على المرء ان يفعل خيرا في حياته وانما الاصعب هو ان يفعل الخير طول حياته، وما تسقط من ورقة من شجرة في فصل الا وعوضتها اوراق في فصول اخرى، و “ما يبقى في الوادي الا أصح احجارُ”، وما يلقيها إلا الكرام ذوي الفضل، وخاصة اننا نخوض حربا قوامها القناعات ضد عدو ماكر وخبيث يحاول النيل منا في كل سانحة وفي اي حيز كان، فيصبح ضعفاء الهمم والانتهازين ذوي النفسهم القصير، عرضة لشراكه حين تكون القناعات على المحك في بعض المنعرجات الحادة التي تمر بها القضية، والناس على اقدارهم كما قال ابو الطيب المتنبئ :

عَلى قَدْرِ أهْلِ العَزْم تأتي العَزائِمُ

وَتأتي علَى قَدْرِ الكِرامِ المَكارمُ

وَتَعْظُمُ في عَينِ الصّغيرِ صغارُها

وَتَصْغُرُ في عَين العَظيمِ العَظائِمُ

ولا شك ان مسيرتنا الثورية مرت وتمر بمنعرجات عديدة تواجه فيها تحديات صعبة المخارج في كل حقبة تاريخية، فهي محفوفة بالمخاطر منذ الوهلة الاولى، وهذا طبيعي عندما نستحضر حجم الاعداء الذين نواجههم والاهداف التي ننشدها، حيث بدى انطلاقها في حد ذاته شبه مستحيل من اول وهلة، لو لا عزم وتصميم مناضلوا الجبهة الشعبية وقدرتهم على تذليل الصعاب مهما كثرت وتعددت، وفعل المستحيل كل ما تطلب الامر ذلك، فإمان الجبهة ومناضولوها بحتمية النصر لا حدود له، ولم تفارقاها التحديات الجمة ابدا وفي كل الميادين، يعني شح في كل شيئ، لكن الثورة حبلى بالمكاسب وتحمل النصر في رحمها، و”اللي انْيَاگُ امْگَرْبَاتْ يَتْگَرَّعْ الرَّغْوَة” ولا يمل الحُر من الصبر على الحق الذي يعلى ولا يعلى عليه، وشعبنا شعب حُر صبور، لا يرضى الهوان ولا يخرج من صلبه الا الكرام. كما يقول ابن الرومي :

* أرى الصَّبْرُ مَحْمُودًا وَعَنْهُ مَذاهِب

* فَكَيْفَ إِذا ما لَمْ يَكُنْ عَنْهُ مَذْهَبُ

* هو المَهْربُ المُنجِي لمن أحدَقتْ بهِ

* مكارِهُ دهرٍ ليس منهن مَهْربُ

فلقد رافق الثورة الصحراوية انعدام الامكانيات في كثير من الاحيان، كما رافقها شحها دائما، وصعوبة الظروف كافة، ضف الى ذلك الحصار الخارجي المضروب على الوطن والجهل المتفشي في المجتمع وكل اسباب التفرقة والتشرذم وتحكم الاستعمار الهمجي وتعاونه وتوزيعه للادوار مع الدول الرجعية لمحاصرة اي تحرك ثوري داخل وطننا، ونكء جراحه وتعميقها في كل مرة، في تآمر مكشوف، كي يبقى شعبنا الابي في معاناة تمنعه من تجميع قواه، ليتسنى للاستعمار ديمومة التحكم في مصيره، بالتنسيق مع بقية قوى الشر، وهو امر دأب عليه الاستعمار الاسباني، وتتلمد عليه الغزو المغربي المشؤوم واستشاط في القذارة، هذا الذي “جَاهُمْ مَنْ گَدَامْ وْگَالْهُمْ گَاعْ سَكْتُ” فحدث ولا حرج، اما الخونة عديمي الضمير فقد تعددت اصنافهم يلهثون وراء الفتات على مر التاريخ ينشطون حين يستقر دوار الفشل في راس الغزاة فيتهوعون وتفوح منهم رائحة الموت فيغذفونهم في الساحة، والنتيجة لم تكن سوى كومات دخان متتالية تدل على ان العدو يتآكل من الداخل (الرَّوَامْ الْلِي غَلْبْتُ ارْيَامَة إعَيَّطْ الْلَكْلاَبْ)، ولو انه لا يترك ذلك الضعف ينجلي لكل العيان، فهو دائما يغطي ضعفه القاتل بشباك بهلوانية ينخدع بها المتهورين السذج ويسحبهم اليه ليوقعهم في ورطة لا تغنيه من جوعه وتلهفه الدائم ولكنه يصنع منها ستارا يصرف به النظر عن فشله، وقد يشوش الرأي ويربك البعض الى حين، ولو ان سمو مصلحة الوطن وعلوها على كل الاعتبارات لذوي البصائر، امر جلي للغاية حيث لا يجد عبقريا او ساذجا مبررا وجيها لمعاكستها، إلا في “بيع التَّزِيرَ”، لكن البصائر تتفاوت هي اخرى، فالمستهر “أفَدَّارْ” السياسة مِن مَن يتعلم الف عبارة وينغر بها ويظن انه اضحى من جهابذتها، لا يعلم أن الاستعمار اذا رمى بعملائه في خِسة، لا يتوانى في دفعهم الى ابعد الحدود غير آبه بمصائرهم حتى لو لم يبقى منهم حظ البعث، (العصعص)، فما تأخذه فيهم رحمة ولا رأفة إلا في حدود الدور الذي يؤدويه بهم، وذلك هو حال الغرب مع المغرب اليوم، كما هو حال المغرب مع الخونة، وبالنتيجة يكون العميل الخائن هو اول خاسر في صراع أراد لنفسه ان يسبح فيه عكس التيار، طلبا لرزق كان مضمونا او خوفا من أجل كان محتوما، خدمة لمصلحة لا ناقة ولا جمل له فيها، لا يتعدى حظه منها قوت درن في معترك لا يفقه فيه الا ما يمليه عليه مولاه بمقدار ورطته، فلا تكفيه نفقته عندها للحاق حتى بركب اسياده. واني لآسف لمن يسقط في وحل الخيانة والضلوع عن الحق ظنا منه انها وسيلة لا رذيلة، رذيلة لم يعرفها من ذي قبل، ولن يدرك ابعادها كالصبي، الا بعد فوات الاوان، لانه “اسْمَعْ” كلام “امْظَحْكِينُ” ولم يَسْمَعْ كلام “امْبَكْيِينُ” جاهلا او متجاهلا ان الخيانة امر صعب يَجْرَحُ الأنسان ويُسبب له اليأس من الحياة، والموت وإن لم تكن المنية فهو ميت الاحياء، غير آبه بإن الصراع يحسم، فيكون نصيبه منه الذمامة بغض النظر عن من الخاسر الى جانبه، رغم ان اهله لا يزيدهم سفه السفهاء من ابناء شعبهم الا شفقة وحلما وتسي على ما هم فيه، ولو ان الخيانة يمكن ان تغتفر ولكنها لا تنسى وعلى كلٍ فإن “الطير الا من فرگ والعرش الا من عرگ”. فقد كان اجدى به ان يثبت في الصف الذي يليق به شرفا. كما قال زهير بن ابي سلمى:

وَمَنْ يَجْعَلِ المَعْروفَ مِنْ دُونِ عِرْضِهِ

يَفِـرْهُ وَمَنْ لا يَتَّقِ الشَّتْـمَ يُشْتَـمِ

وَمَنْ يَكُ ذَا فَضْـلٍ فَيَبْخَلْ بِفَضْلِـهِ

عَلَى قَوْمِهِ يُسْتَغْـنَ عَنْـهُ وَيُذْمَـمِ

وَمَنْ يُوْفِ لا يُذْمَمْ وَمَنْ يُهْدَ قَلْبُـهُ

إِلَـى مُطْمَئِـنِّ البِرِّ لا يَتَجَمْجَـمِ

وَمَنْ هَابَ أَسْـبَابَ المَنَايَا يَنَلْنَـهُ

وَإِنْ يَرْقَ أَسْـبَابَ السَّمَاءِ بِسُلَّـمِ

وَمَنْ يَجْعَلِ المَعْرُوفَ فِي غَيْرِ أَهْلِـهِ

يَكُـنْ حَمْـدُهُ ذَماً عَلَيْهِ وَيَنْـدَمِ

ولقد علم السلف مِنْ مَنْ سبقونا وعلمونا ان الحُر لا يعطي بظهره لعهده مقابل ملء الدنيا فضة وذهبا وعيشة الحر من أذنه لا من بطنه، وكما علمنا الاسلام في الوفاء بالعهود، وأن الهمة لو تعلقت بالثريا لنالتها وخاصة إن كانت همة صاحب حق مستعد لركوب المنيا لاجله، و”كل متبوع ملحوگ” وان الطغاة لا يسقطون آرابا ولكن يتكتمون على أدوائهم وضعفهم الداخلي حتى تنفذ الروح من المنظومة كل، فتسقط دفعة، حين تشيخ وينقضي اجلها تحت وقع ضربات الحق، وعادة ما يحكم علهم العامي بمظهرهم ويظنهم في قوة وتماسك وهم ليسوا كذلك، فينخدم البلهاء، بينما تبدو القوى الناشئة (القوة الثورية) ضعيفة في ظاهرها لان الكثير من مكوناتها لا يزال في اطوار النشأة والنمو، فيظنه قصيري النظر ضعفا، غير انه في واقع الامر مكمن قوة وتراكم للطاقة الغزية المتجددة التي توفر المرونة والقدرة على الصمود والاحتفاظ بالمبادرة والمبادءة المستمرة، ولذلك قال الشهيد الولي رحمه اللّٰه: “لقد انطلقت الثورة في الساقية الحمراء ووادي الذهب اعتمادا على اشياء حتمية الوقوع”. وهو يشير بذلك الى أن الثورة عندما تنطلق تصنع اسباب نجاحها ذاتيا لانها قوة متجددة تنهل من طاقة شعبها التي لا تنضب، وبالتالي يعني ان الثورة صاحبة الحق يحالفها النصر لا محالة، اما الاحلال كقوة خُردة زائلة، مهما بدى لضعاف العقول انها خالدة.

ميت مشكور ولا حي محگور.

اللهم انا نسألك حسن الخاتمة والثبات على الحق والعتق من النار.

كل الوطن او الشهادة.

2020/05/07
محمد فاضل محمد اسماعيل obrero

Leave A Reply

Your email address will not be published.