المغرب: استمرار تضييق المجال العام (مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان)

0

تستمر السلطات المغربية في التضييق على أنشطة المجتمع المدني المستقل، وإبداء تسامح أقل مع الإعلام والصحافة النقدية. ويعد أبرز مثال على تضييق مساحات الرأي والتعبير، التي تعاني منه المغرب في السنوات الأخيرة، هو سلسلة المحاكمات والإدانات ذات الطبيعة السياسية التي خضع لها مئات النشطاء وأعضاء الحركات الاحتجاجية في بعض المناطق المهمشة في المغرب، مثل منطقة الريف شمال غرب المغرب، ومنطقة جرادة شمال شرق المغرب بسبب اشتراكهم في سلسلة من الفعاليات الاحتجاجية والاعتصامات المطالبة بتحسين الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، أو الرافضة لسياسات الاستغلال البيئي والإضرار بالموارد الطبيعية.

وثقت تقارير في منتصف عام 2018 تعرض بعض المعتقلين للتعذيب وسوء المعاملة في مقار الاحتجاز. وفي أبريل 2019 أكدت محكمة استئناف الدار البيضاء أحكامًا قاسية وصلت بالسجن لمدة 20 عامًا ضد أكثر من 40 ناشطًا ومتظاهرًا، منهم ناصر الزفزافي أحد أبرز قادة الحراك الشعبي في منطقة الريف. وقد بدأت الاحتجاجات في منطقة جرادة في نهاية ديسمبر 2017 بعد وفاة شقيقين صغيري السن في منجم للفحم، وتوسعت هذه الاحتجاجات خلال الربع الأول من عام 2018 بعد أن فقد عامل شاب ثالث حياته في فبراير في منجم آخر للفحم. وكانت الحكومة المغربية قد أغلقت صناعة استخراج الفحم في المدينة في عام 1998 دون توفير بدائل اقتصادية. ونتيجةً للظروف المعيشية القاسية وارتفاع معدل البطالة في أعقاب هذا القرار، اضطر العديد من سكان جرادة، خاصةً الشباب، إلى الانخراط في أنشطة التعدين الخطيرة في المناجم المهجورة. وقد سبق وحث المحتجون في جرادة الحكومة المغربية على تحسين الأوضاع الاقتصادية والبنية التحتية في مدينتهم، مطالبين ببدائل اقتصادية عن عمليات التعدين غير الآمنة. ولسنوات، تحمّلت السلطات المغربية نشاط التعدين غير القانوني والخطير وتجاهلت الشكاوى من قبل السكان حول التهميش والفقر والبطالة ونقص البنية التحتية والخدمات الأساسية. وردًا على تعبئة المتظاهرين عبر وسائل التواصل الاجتماعي، أصدر وزير الداخلية في 13 مارس حظرًا على الاحتجاجات غير المصرح بها في المدينة. وفي 14 مارس، قمعت قوات الأمن الاحتجاجات والاعتصام بالقرب من مناجم الفحم في قرية يوسف واحتجزت حوالي 55 ناشطًا.

تعرضت بعض المنظمات غير الحكومية، من بينها الجمعية المغربية لحقوق الإنسان وجمعية جذور ذات الطابع الثقافي، للتضييق على تنظيم أنشطتها، وتسجيل فروعها الجهوية، أو منعها من مزاولة أنشطتها بسبب مواقفها النقدية تجاه سلطات الدولة. ففي أبريل 2019 رفضت محكمة الاستئناف بالدار البيضاء بطلب الاستئناف الذي قدمته جمعية جذور، وبذلك أيدت القرار القاضي بحل الجمعية الصادر عن المحكمة الابتدائية في 26ديسمبر 2018. وعلى صعيد أخر دعا المجلس الوطني لحقوق الإنسان مؤخرًا السلطات المغربية لضرورة تعديل مواد قانون العقوبات التي تخل بالحقوق الشخصية، والحق في الخصوصية على إثر قضية حديثة تم فيها حبس الصحفية المغربية الشابة هاجر الريسوني وخطيبها باتهامات تتعلق بالإجهاض، وإقامة علاقة غير شرعية.

من ناحية أخرى فإن استمرار جمود الحل السياسي لقضية الصحراء الغربية المتنازع عليها بين المغرب وجبهة البوليساريو يترك تداعيات على ممارسة الحقوق والحريات الأساسية لسكان الصحراء، خاصةً المطالبون بالحق في تقرير المصير. وفي أبريل 2018، جدد مجلس الأمن دعمه الكامل لنية الأمين العام ومبعوثه الشخصي إعادة إطلاق مفاوضات جديدة بهدف التوصل لحل سياسي مقبول، إلا أن هذه الجهود لم تسفر بعد عن نتائج ملموسة على الأرض.

تواصل السلطات المغربية التضييق على المظاهرات السلمية، أو الحق في التنظيم وتكوين الجمعيات المستقلة في الإقليم. بالإضافة إلى التضييق على الإعلاميين، خاصةً المبادرات الإعلامية الشابة المستقلة مثل مجموعة نشطاء للإعلام وحقوق الإنسان، ومبادرة إيكيب ميديا، وذلك في ظل تعليمات الأجهزة الأمنية بإلقاء القبض على أي شخص يصور عناصر الشرطة، في محاولة لتفادي نشر مقاطع من الفيديو على شبكات التواصل الاجتماعي.

كما تُظهر السلطات المغربية العنف ضد المتظاهرين السلميين في الصحراء الغربية. فعلى سبيل المثال تعرضت المدونة والصحفية نزهة خالدي للتحقيق والمحاكمة في منتصف هذا العام بتهمة ممارسة الإعلام دون استيفاء شروط المهنة، طبقًا للمادة 381 من القانون الجنائي المغربي، وهي المادة التي استخدمت مرارًا لإدانة صحفيين بعد نشر أخبار وتقارير حول الاحتجاجات في منطقة الريف شمال المغرب. كما استمر نمط اعتقال النشطاء الصحراويين وتعريضهم لمحاكمات لها طابع سياسي، أو التضييق عليهم في العمل والسفر والتعليم. كذا فإن السلطات المغربية تمنع المراقبين الدوليين، وممثلي الإعلام الأجنبي من دخول الإقليم لبحث حالة حقوق الإنسان، وسماع شهادات منظمات حقوق الإنسان المستقلة. ففي شهر مايو 2019، حاصرت قوات الأمن المغربية مقر الجمعية الصحراوية لضحايا الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، ومنعت دخول معدات جديدة كان قد أحضرها عاملو الجمعية لغرض ضمن أنشطة الجمعية، ومنعت مجموعة من عناصر الأمن بملابس مدنية الموظفين من الدخول.

مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان

Leave A Reply

Your email address will not be published.