التحالف الدولي ضد تنظيم “الدولة الإسلامية” الإرهابي بالعراق وسوريا / مقومات الموقف المغربي.

0

رقم 105                                                             الرباط في 17 سبتمبر 2014
مـذكـرة
لنظر الـسيد الـوزير

الموضوع: التحالف الدولي ضد تنظيم “الدولة الإسلامية” الإرهابي بالعراق وسوريا / مقومات الموقف المغربي.

كما في علمكم، منذ إعلان الرئيس الأمريكي عن استراتجية بلاده للقضاء على تنظيم “الدولة الإسلامية” الإرهابي في العراق وسوريا، تسارعت الخطوات نحو بناء “تحالف دولي” واسع يتكلف بمواجهة هذا الخطر الإرهابي المتزايد في منطقة الشرق الأوسط.

وفي هذا الصدد، يشرفني أن أعرض لنظر السيد الوزير المعطيات وعناصر التقييم التالية المرتبطة بالموضوع، وبعض الاعتبارات التي يمكن أخذها بعين الاعتبار لبلورة الموقف المغربي من هذه المبادرة:

أولا: المحطات التمهيدية:

1) قرار مجلس الأمن رقم 2170 بتاريخ 15/8/2014:

تبنى مجلس الأمن الدولي، بتاريخ 15/8/2014، بالإجماع القرار رقم 2170 (المقدم من طرف بريطانيا)، تحت الفصل السابع، الذي يتضمن إجراءات تتوخى إضعاف المقاتلين الإسلاميين المتطرفين في العراق وسورية، وقطع مصادر التمويل عنهم ومنعهم من تجنيد المقاتلين الأجانب.

2) خطاب الرئيس الأمريكي بتاريخ 10/9/2014:

تستند الاستراتيجية العامة لهذا التحالف الدولي إلى التوجهات الواردة في خطاب الرئيس الأمريكي، Barack Obama ليوم الأربعاء 10 سبتمبر 2014، وخاصة:

أ) مواكبة الحكومة العراقية الجديدة في مجهوداتها لإرساء حكامة رشيدة بمقاربة تشاركية تدمج جميع مكونات الشعب العراقي.

ب) حرمان “داعش” من أي ملجأ، إذ في الوقت الذي تقصف فيه الولايات المتحدة جوا مواقع التنظيم، تشن القوات العراقية، بما فيها الكردية هجماتها البرية عليه، وبالموازاة مع ذلك، دعم المعارضة السورية والجيش السوري الحر، مع التأكيد أن الحل في سوريا لا يمكن إلا أن يكون سياسيا.

ج) تعزيز القدرات الأمنية العراقية، بما فيها الكردية، من خلال تدريبها ومدها بالمعلومات المخابراتية والمعدات اللازمة، حتى تتمكن من تكوين حرس وطني قادر على حماية المناطق المحررة من سيطرة “داعش”.

د) تكثيف جمع وتوفير المعلومات المخابراتية عن تنظيم “داعش” لمعرفة تخطيطاته ونواياه.

هـ) العمل على حرمان “داعش” من مصادر التمويل، عبر تقليص عائداتها من مصفات النفط والتحويلات النقدية والفديات والهبات الداخلية والخارجية.

و) نزع الشرعية عن إيديولوجية “داعش” والكشف عن حقيقة خطابها واستغلالها المغرض للدين، وعن الجرائم التي ارتكبتها ولازالت ترتكبها باسم الدفاع عن الإسلام.

ز) مراقبة شبكات تجنيد المقاتلين الراغبين في الانضمام إلى “داعش” في العراق وسوريا أو إلى صفوف تنظيمات إرهابية أخرى في سوريا، والحيلولة دون تنقلاتهم.

ح) مواصلة تقديم المساعدات الإنسانية للنازحين والفئات الهشة من العراقيين واللاجئين السوريين.

أوضح الرئيس الأمريكي أن هذه الاستراتيجية ستكون مختلفة عن الحروب السابقة في العراق وأفغانستان، وأنها لن تشمل إرسال قوات أمريكية إلى الأرض، مشيرا إلى أن الولايات المتحدة “لن تستطيع أن تقوم بدور العراقيين والعرب في حماية أنفسهم وما يجب أن يفعلوه لأنفسهم”.

3) اجتماع جدة بين كاتب الدولة الأمريكي ووزراء خارجية 10 دول عربية + تركيا بتاريخ 11/9/2014:

* شهدت مدينة جدة اجتماعا يوم الخميس 11/9/2014 ضم وزير الخارجية الأمريكي، John Kerry، ووزراء خارجية عشر دول عربية هي بلدان مجلس التعاون الخليجي الست، إلى جانب لبنان والأردن ومصر العراق، إضافة إلى وزير خارجية تركيا.

* كان الهدف الرئيسي من هذا الاجتماع هو بسط الاستراتيجية الأمريكية السالف ذكرها، وحشد دعمِ الدول المعنية مباشرة بالموضوع، ودعوتها إلى الشروع في تحديد الكيفية التي تراها مناسبة للمساهمة في التحالف الدولي ضد التنظيمات الإرهابية في العراق وسوريا، دون تحديد أو توزيع للأدوار على الأقل في هذه المرحلة الأولية.

* بادرت الولايات المتحدة إلى الإعلان، إثر اجتماع جدة، عن أن عدد الدول التي ستشارك بشكل أو بآخر في التحالف ضد تنظيم “داعش” بلغ أكثر من 40 دولة، ومن بين هذه الدول الأربعين، وردت أسماء 25 دولة في إحصاء لوزارة الخارجية الأميركية، أما الجهات الأخرى، فستشارك سرياً في مختلف المجالات: الدبلوماسية والاستخبارات والمساعدة العسكرية ومكافحة التجنيد والشبكات المالية للتنظيم.

4) اجتماع باريس بتاريخ 15/9/2014:

* ضم اجتماع باريس ليوم الإثنين 15/9/2014 بالإضافة إلى فرنسا، صاحبة المبادرة، العراق والسعودية والإمارات العربية المتحدة والبحرين والكويت وقطر وسلطنة عُمان والأردن ولبنان ومصر وتركيا والولايات المتحدة الأمريكية والمملكة المتحدة وروسيا والصين وكندا وألمانيا وبلجيكا والدانمرك وإسبانيا وإيطاليا واليابان وهولندا والنرويج والجمهورية التشيكية وجامعة الدول العربية ومنظمة الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي.

* يمكن اعتبار هذا الاجتماع مُكملا لاجتماع جدة (11/9/2014) وإن كان اقتصر على العراق فقط وركز على الأسس التي ينبغي الاعتماد عليها لاستتباب الأمن والسلم في العراق ومناهضة تنظيم “داعش” دون الخوض في الجوانب التنظيمية أو التنفيذية ذات الصلة.

5) الاجتماع الوزاري الخامس لمنتدى مكافحة الإرهاب بتاريخ 23/9/2014 واجتماع لمجلس الأمن بتاريخ 24/9/2014:

بدعوة من الولايات المتحدة الأمريكية، سيعقد على هامش الدورة 69 للجمعية العامة للأمم المتحدة بنيويورك الاجتماع الوزاري الخامس لمنتدى مكافحة الإرهاب يوم الثلاثاء 23/9/2014، كما سيلتئم، في اليوم الموالي، مجلسُ الأمن الدولي، على مستوى القمة، لمناقشة تهديدات الجماعات الإرهابية في المنطقة وسبل مراقبة وفك الشبكات التي تعتمد عليها هذه الجماعات في تجنيد المنخرطين فيها من مختلف البلدان وتنقلاتهم.

ثانيا: ملاحظات عامة عن “التحالف”:

يكتنف الاستراتيجية الأميركية بعض الغموض وفي بعض الأحيان ثغرات وتناقضات بل حتى مخاطر. ومن بين الملاحظات التي يمكن إثارتها في هذا الصدد:

1) المراهنة على أطراف ضعيفة أو غير موجودة:

إذا كانت القوات الأمريكية ستواصل قصفها الجوي على مواقع التنظيم الإرهابي “داعش”، وتسند مهمة الاكتساح البري للجيش العراقي والمعارضة السورية المعتدلة، بعد مدّهم بالعتاد والتدريب، فقد يكون ذلك مراهنة على أطراف ضعيفة أو غير موجودة، إذ:

* أن الجيش العراقي النظامي لم يقدر على مواجهة “داعش” في الكثير من مواقع القتال إلا بمساعدة الغارات الجوية الأميركية، ولعل تشكيله على أساس طائفي، خلال فترة حكم رئيس الوزراء السابق، نوري المالكي واختراقه من طرف تيارات شيعية متعددة بأجندات وولاءات مختلفة يزيد من ضعفه.

* كما أن مساهمة قوات البشمركة الكردية ستكون محدودة في نطاق حرصها على حماية إقليم كردستان العراق، حيث لا يُتوقع أن تُغامر بنفسها في جميع الأماكن التي يسيطر عليها التنظيم الإرهابي “داعش” اللهم إذا تأكد لها أنها ستحصل على أجزاء ترابية لضمها إلى الإقليم.

* وبخصوص السُنة الذين يمكن أن ينظموا إلى الجيش العراقي أو أن يلتئموا في أية تشكيلة أخرى خاصة بهم، فيطرح السؤال حول مدى تجندهم لقــتال سنيين آخرين، وإن كانوا متشددين ومختلفين معهم في النهج. (صحيح أن عددا من الدول العربية السنية قاتلت وتقاتل “القاعدة” التي تعد أيضا تنظيما سنيا متطرفا وإرهابيا، لكن سياق العراق ورهاناته تختلف عما هو الحال في تلك الدول العربية التي أغلبيتها سنية وتظل نسبيا بعيدة عن التدخل المباشر لإيران ومحاولات اختراقاتها).

* وبالنسبة للمعارضة المعتدلة في سورية، بما فيها “الجيش الحر”، فلا نفوذ لها لحد الآن ويصعب أن يُعول عليها كثيراً، بل إن السيطرة على الأرض لفصائل مثل “أحرار الشام” و “جبهة النصرة” و”الجبهة الإسلامية”، وكلها لا تقل تطرفاً عن “داعش”.

* أما فيما يتعلق بإيران، فكل تدخل عسكري لن يكون مقبولا سواء من الطائفة السنية العراقية أو من دول الخليج العربية، باستثناء تنسيق سياسي معين مع “التحالف الدولي” والمشورة التقنية أو الأمنية التي ما فتئت تقدمها إيران إلى الجيش النظامي العراقي أو تلك التي شرعت في تقديمها إلى قوات البشمركة في إقليم كردستان.

2) إشكالية متابعة عناصر “داعش” في سوريا:

لا شك في أن تضييق الخناق على عناصر “داعش” في العراق سيجعلهم يواصلون لجوءهم إلى سوريا. وهكذا، لن تكتمل مهمة القضاء على “داعش” أو إضعافها إلا بتدمير قواعدها في سورية، الأمرُ الذي يطرح تحديا آخر يتمثل إما في التوصل إلى تفاهم ما مع النظام السوري، مما سيكون له تبعات سياسية وأخلاقية من الصعب على الإدارة الأميركية تحملها أو تبريرها، وإما القيام بعمليات عسكرية داخل الأراضي والأجواء السورية من دون التنسيق مع السلطات السورية، وهذا يضع التحالف الدولي أمام انتهاك لقواعد السيادة التي يقرها القانون الدولي، وفي ذلك مخاطرة لاندلاع مواجهة دبلوماسية مع دول مثل روسيا والصين وحتى إيران.

3) إشكالية استغلال الوضع من طرف جهات أخرى:

من المؤكد أن عدم مكافحة التنظيم الإرهابي “داعش” أو إيقاف امتداده سيشكل خطرا كبيرا على أمن واستقرار دول منطقة الشرق الأوسط ودول عربية أخرى، سيما وأنه يستهدف الإطاحة بالمبادئ التي تُـبنى عليها الدولة العصرية، حيث يبيع التنظيم مفهوم “الخلافة” أو بالأحرى دولة وهمية لا حدود لها ويلغي أساس الدولة الوطن “l’Etat nation” والمصير المشترك والقانون والمؤسسات.

لكن، من المحتمل كذلك أن الوضع الذي سيترتب عن مقاتلة هذه الجماعة السنية المتطرفة ستستغله الطائفة الشيعية للعودة بالعراق إلى ما كان عليه الحال خلال ثمان سنوات من حكم نوري المالكي، رئيس الوزراء السابق، من إقصاء للسنة وتعميق تبعية العراق لإيران، هذا طبعا إذا فشل رئيس الوزراء العراقي الجديد، حيدر عبادي، في التخلي عن الطائفية وبناء مؤسسات الدولة العراقية بإدماج جميع مكونات شعبها.

من غير المستبعد كذلك أن يستفيد من الوضع بشار الأسد الذي سيكون قد تخلص من أشرس وأقوى جهة معارضة لنظامه. لذا، فإذا لم تشمل الاستراتيجية كذلك إحداث توازن بين القوى المتناحرة في سوريا من خلال دعم قدرات المعارضة المعتدلة في الوقت الذي يكون قد ضعف فيه تهديد الجماعات الإرهابية، فستشهد سوريا الانعكاسات ذاتها التي خضعت لها جراء الإحجام عن ضرب قوات النظام بالرغم من استعمالها الأسلحة الكيميائية ضد أبناء الشعب السوري شهر غشت 2013، وعلى رأس تلك الانعكاسات استقواء النظام وتعنته في رفض أية تسوية سياسية.

4) إشكالية تنسيق المساهمات:

كما سبقت الإشارة إلى ذلك، تـترك الاستراتيجية الأمريكية للأطراف الراغبة في الانضمام إلى “التحالف الدولي” حرية اختيار وتحديد نوعية مساهمتها وكيفيتها. لكن، هل هذا المنظور كافيا لتعبئة تلك الأطراف وإحداث التنسيق والانسجام المطلوبين على مستوى مساهماتها، خاصة في غياب “غرفة قيادة العمليات” وآلية تنفيذ محكمة لهذا الغرض، كما كان عليه الحال بالنسبة لعملية جلاء قوات صدام حسين من الكويت عام 1991.

5) تدبير التناقضات داخل التحالف:

بالإضافة إلى الدول الغربية (تلك المشاركة في اجتماع باريس لـ15/9/2014) التي غالبا أنها ستنخرط في “التحالف الدولي” ضد تنظيم “الدولة الإسلامية” الإرهابي في العراق وسوريا، والتي لا شك في أن مشاركتها ستكون فعالة، نجد أيضا عشر دول عربية (تلك المشاركة في اجتماع جدة لـ11/9/2014) إلى جانب تركيا. وبخصوص هذه المجموعة، يطرح التساؤل حول الكيفية التي سيتم اعتمادها لتدبير التناقضات داخلها، إذ ليس جميع أعضائها متفقين على مفهوم موحد للإرهاب، وقد لا يكون لهم نفس سلم الأولويات، بل نشبت بين البعض منهم خلافات حول المرجعيات والتيارات والأهداف الجيو-استراتيجية، بما في ذلك الريادة.

6) مدى شمولية المقاربة المعتمدة في استراتيجية “التحالف الدولي”:

* يلاحظ أن الاستراتيجية المُقدمة للتحالف الدولي لمكافحة الإرهاب في العراق وسوريا غضت الطرف عن عنصر آخر في المعادلة المؤدية إلى الإرهاب في هذين البلدين وفي غيرهما من الدول المجاورة (لبنان واليمن)، وهو الثابت والمتغير عند الشيعة وجماعاتها المحاربة كـ” فيلق بدر” و” جيش المهدي” و”عصائب أهل الحق” و” جيش المختار” و”لواء أبو الفضل العباس”. ألم تمارس هذه الجماعات الإرهاب بدورها ؟ وهل لم تكن سببا من بين مسببات تنامي تنظيم “داعش” ؟

* ثم كيف يمكن استئصال الفكر الإرهابي المتطرف دون إدماج البعد التنموي والاجتماعي (إلى جانب البعد الديني) في هذه الاستراتيجية حتى لا يخترق اليأس والحرمان والتهميش أدهان الشباب وينساقوا مع الأطروحات التي تُعبئهم لخدمة الإرهاب عبر الأوهام والمغالطات التي تملأ حياتهم ؟

* إذا لم تُدمِج الاستراتيجية البعدَ الشمولي في مكافحة الإرهاب فقد تجد منطقة الشرق الأوسط ومناطق أخرى في العالم نفسها أمام تجربة مماثلة لتلك التي عاشتها في مكافحة تنظيم “القاعدة”، إذ أدى افتقار الرؤية الشاملة إلى إضعاف تمركز “القاعدة” في أفغانستان لكن مع استنساخها في أماكن مختلفة من العالم العربي والإسلامي، وامتداد قدرتها على التشويش على دول غربية أو تهديدها.

بصفة عامة، يمكن القول إن الاستراتيجية الأمريكية في هذا الصدد تعكس بغموضها وتناقضاتها، أحيانا، والطبيعة الاختيارية المتروكة للدول لتحديد مساهماتها، الواقع المعقد في المنطقة، وكذلك الرغبة في التكتم على جوانب عدة من المخططات التنفيذية المرسومة والحرص على تسجيل أكبر عدد ممكن من الدول المنخرطة بحثا عن التأثير الإعلامي.

ثالثا: مقومات الموقف المغرب وطبيعة مساهمته في “التحالف الدولي” الجديد ضد الإرهاب:

1) الموقف المبدئي:

* يتقاسم المغرب مع “التحالف الدولي” المذكور الموقف المبدئي ذاته الرافض للإرهاب بكل أشكاله ومظاهره، ومهما كانت مصادره ودوافعه ومبرراته. وبالتالي، فإن المغرب الذي يعتقد بأن من بين مسببات الإرهاب التهميش والإقصاء وتنامي الفكر المتطرف والتسييس المغرض للدين، لا يسعه إلا أن ينخرط بجدية وعزم في التوجهات الإقليمية والدولية الرامية إلى مكافحة الإرهاب باعتباره آفة مهدمة، عابرة للحدود لن تستطيع دولة بمفردها القضاء عليها أو حتى تفادي خطرها، دون تضافر جهود الدول، داخل تكتلاتها الإقليمية ومن خلال المنتظم الدولي، أو في غياب مقاربة شاملة متعددة الأبعاد لمحاصرة الإرهاب والقضاء عليه.

* المغرب معني بما يجري في تلك المنطقة لأن الإرهاب المنتشر يكاد يعصف بالوحدة الترابية لدول شقيقة له ويهدد أمن وسلامة شركائه الاستراتيجين هناك (دول مجلس التعاون الخليجي)، كما أن التنظيمات الإرهابية التي نشأت في العراق وسوريا أصبحت لديها امتدادات حتى في المنطقة المغاربية التي ينتمي إليها المغرب، وخطرها لم يعد مستبعدا، خاصة بالنظر إلى الترابط القائم بين الشبكات الإرهابية في مناطق مختلفة من العالم.

2) الحاجة إلى مزيد من عناصر التقييم والتدقيق:

إذا كان انخراط المغرب، بصفة عامة، في الجهود الإقليمية والدولية لمحاربة قوى الإرهاب والتطرف لا يطرح عموما أية إشكالية من الناحية المبدئية، فإن هناك حاجة إلى مزيد من عناصر التقييم والتدقيق في بعض الجوانب المرتبطة بالاستراتيجية المعروضة على “التحالف الدولي” حتى يتمكن المغرب من التعاطي مع الموضوع برؤية واضحة (visibilité) وبحكمة واتزان. ولهذا الغرض، سيكون من المفيد الأخذ بعين الاعتبار ما سبقت الإشارة إليه من ملاحظات والتي يمكن إيجازها فيما يلي:

* التقييم الموضوعي للأوضاع في المنطقة في ظل التجاذبات، خاصة بين القوى الإقليمية وأجنداتها المتعارضة.

* تداعيات هذا الوضع على الأمن والاستقرار ليس فقط في منطقة الشرق الأوسط بل حتى في منطقة الساحل والصحراء والحوض المتوسطي.

* وجود تخوفات من استغلال النتائج من طرف طائفة (الشيعة) على حساب أخرى (السنة) مما قد يسمح بمواصلة تهميش المكون السني، وإقصائه من الحكم، وهو ما سيصب، في نهاية المطاف، في مصلحة إيران.

* انعكاسات ضعف الرؤية أو فشل الاستراتيجية على تقوية التيارات المتطرفة وإكسابها المزيد من الأنصار والأتباع.

3) مراعاة خاصية مغربية:

إلى جانب العناصر السالف ذكرها، ينبغي الأخذ بعين الاعتبار وجود عدد كبير (المئات) من المغاربة المقاتلين في صفوف التنظيم الإرهابي “داعش” وغيره، سواء في العراق أو في سوريا، علما بأن من بينهم من يحتل مواقع قيادية. وعليه، ينبغي إدخال هذا المعطى في معادلة الانخراط في “التحالف”، خاصة الآثار التي يمكن أن يخلفها تقديم الموضوع لدى الرأي العام المغربي من لدن بعض الجهات وكأنه مواجهة مغربية-مغربية أو تواطؤ من أجل القضاء على هؤلاء المقاتلين في ساحة المعركة للتخلص منهم وتفادي الإشكاليات الأمنية التي قد يطرحونها في حالة عودتهم إلى بلدهم الأصلي.

4) حسن استثمار الموقف المغربي:

ما دام تشكيل هذا “التحالف الدولي” مبادرةً تقودها الإدارة الأمريكية الحالية لأسباب مرتبطة بالحفاظ على الأمن والسلم في المنطقة ولأغراض جيو-استراتيجية مقبولة وأخرى مرتبطة بسياستها وتعهداتها الداخلية، وبما أن الولايات المتحدة الأمريكية طلبت رسميا من بلادنا اختيار نوعية مشاركته أو الدور الذي يمكن أن يضطلع به في الحرب الدولية الجديدة ضد الإرهاب (استقبالكم للسفير الأمريكي بالرباط يوم الإثنين 15/9/2014)، فسيكون من الملائم أن يُقدم المغرب مساهمته في هذا التحالف من منطلق حرصه كذلك على إعطاء مضمون لعلاقته الاستراتيجية مع الولايات المتحدة الأمريكية.

لا شك في أن أية مساهمة، مهما كانت طبيعتها، ستكون لها كُـلفة وآثار سياسية وأمنية وإعلامية. لذا، ينبغي أن يجني المغرب ثماراً مُقابلَ انخراطهِ في مبادرةِ الإدارة الأمريكية الحالية، وذلك من خلال الحصول على موقف أكثر وضوحا ودعما لقضية وحدتنا الترابية، ونهجا أقل ترددا فيما يتعلق بمسار تعزيز حقوق الإنسان في المغرب عموما وفي أقاليمنا الجنوبية خصوصا.

5) نوعية مساهمة المغرب:

يمكن القول إن المغرب منخرط في هذه الاستراتيجية حتى قبل أن توضع وحتى قبل أن يُطلب منه ذلك، ولكن هذا لا يمنعنا من إبراز أوجه هذا الانخراط وتطعيمه بالقيمة المضافة الممكنة والمنسجمة مع أولوياته ومصالحه وتطورات الأوضاع.

أ) سيظل المغرب، كما كان دائما، مستعدا للوقوف إلى جانب أشقائه وشركائه الاستراتيجيين في المنطقة، خاصة دول الخليج العربية، وذلك انطلاقا من وشائج الأخوة وواجب التضامن، وتعزيزا أيضا للتعاون والتنسيق الأمني والعسكري القائمين بينه وبين هذه الدول منذ أكثر من خمسة عقود. وفي هذا الصدد، سيكون من المناسب إجراء مشاورات مع بعض دول الخليج، خاصة المملكة العربية السعودية، استعدادا لأي تصور مشترك، وسنكون بهذه الطريقة قد أحسَنا تسويق مساهمتنا واستثمارها لدى هؤلاء الشركاء ولدى الإدارة الأمريكية في آن واحد.

ب) رفع مستوى التنسيق الأمني مع مصر والأردن بالنظر لأهميتهما في المنطقة وقربهما من بؤر التوتر التي تعرف انفلاتا أمنيا كبيرا (ليبيا والعراق وسوريا).

ج) التنسيق مع بقية دول “التحالف” في المجال الاستخباراتي والمعلوماتي ومكافحة تجنيد العناصر المرشحة للانضمام إلى التنظيمات الإرهابية ومراقبة شبكات تواصلها لتفكيك خلاياها ومنع تنقلات أعضائها عبر الحدود وتقليص مصادر تمويلاتها.

د) انسجاما مع التوجهات العامة للسياسة الخارجية للمغرب، كما رسمها صاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله، ينبغي التركيز على البعد الإنساني للمساهمة التي يمكن للمغرب أن يقدمها في هذا الإطار (توسيع خدمات المستشفى الميداني المغربي بمخيم الزعتري إلى اللاجئين العراقيين بتنسيق مع السلطات الأردنية مثلا).

هـ) يشكل المغرب، بفضل الإصلاحات الديمقراطية العميقة التي انتهجها وتبنيه لمبدأ الاعتدال والوسطية ونبذه لسياسة الإقصاء، نموذجا يمكن أن يُــلهِم دول المنطقة.

و) عدم تجاهل المقاربة الشمولية في مواجهة الإرهاب والتطرف التي ينبغي ألا تقتصر على البعد الأمني فقط، بل التركيز كذلك على أهمية التأطير الديني القائم على الاعتدال والقبول بالآخر، والتنمية الاقتصادية والاجتماعية الكفيلة بخلق فرص عمل للشباب وضمان مشاركتهم في تدبير أمورهم المعيشة حتى لا يسقطوا في الفراغ واليأس الذي يُستَغل لتعبئتهم في مشاريع هدامة.

الخلاصة:

صحيح أن واقع العراق أصبح اليوم تحت قبضة الشيعة، كما أن لإيران تدخلا مباشرا في العديد من مناحي الحياة في هذا البلد العربي الغني برجالاته وثرواته الطبيعية وموقعه الاستراتيجي، لكن لم يعد من المجدي الاكتفاء بملاحظة هذا المعطى لترك العراق لحاله، بل ينبغي منح الحكومة العراقية الحالية، التي تتمتع بالشرعية، امتياز الشك (bénéfice du doute)، خاصة وأن ظروف تعيينها (ضغط القوى العظمى) تحتم عليها الابتعاد عن النهج الإقصائي الذي تعامل به رئيس الوزراء السابق، نوري المالكي، مع السنة، والاشتغال معها للقضاء على التنظيمات الإرهابية التي تهدد الوحدة الترابية للعراق وأمن وسلامة دول المنطقة، علما بأن الحل لا يمكن أن يكون سياسيا فقط ولا يمكن أن يقتصر على الجانب العسكري، بل ينبغي أن يكون سياسيا وعسكريا في آن واحد، وكذلك العمل على إعادة إدماج العراق في محيطه العربي عبر مد جسور التعاون من أجل التنمية وخدمة المصالح المشتركة كوسيلة لمزاحمة إيران واستمالة أهل السنة والشيعة على حد سواء.

وتفضلوا، السيد الوزير، بقبول فائق احترامي و تقديري.

Leave A Reply

Your email address will not be published.