المغرب العربي.. سؤال محيّر

0

عندما احتضنت بيت الحكمة، يوما دراسيا حول شاعر وحدة المغرب العربي الجزائري مفدي زكريا، كان من الطبيعي أن يحتلّ موضوع عن المغرب

العربي الكبير حيّزا هاما من أحاديث الحاضرين

وقد اتفقت المداخلات والآراء المذكورة في هذا السياق على أن جذوة المشروع الوحدوي المغاربي لم تخمد

نيرانها، وقد حان الوقت اليوم لإزالة الرّماد الذي يحجبها حتى يعمّ نورها على بلدان المغرب العربي الكبير.. فيم

تتجه مختلف دول العالم اليوم نحو بناء تكتّلات وتجمعات لتكون أكثر قوّة وحضورا تسير بلدان المغرب العربي عكس التيار؛ وبعد أن كانت من أوائل الدول التي انتهجت هذا المسلك الوحدوي تباعدت ليبقى « اتحاد المغرب العربي.. خيار استراتيجي »** مجرّد شعار مناسباتي وصفحة في كتاب تاريخ هذه البلدان.وكان هذا الموضوع جوهر كلمة الدبلوماسي الجزائري الأخضر الابراهيمي، خلال اليوم الدراسي الذي احتضنه المجمع التونسي للعلوم والاداب والفنون – بيت الحكمة-.

وقد تحدّث الدبلوماسي الجزائري باسهاب عن المشروع المغاربي والجدوى من الخطاب حول « ضرورة بناء الغرب العربي والمصير المشترك »، متساءلا: لماذا نجحت تكتّلات عالمية فيما فشلت الدول المغاربية في لمّ شمل هذه الوحدة المبعثرة.. ولماذا بقي هذا الخيار الاستراتيجي من الغيبيّات التي لم تتحقّق بعد على أرض الواقع بالشكل الذي يجعل من الدول المغاربية مجتمعة قوة عالمية؟استهلّ الأخضر الابراهيمي كلمته بالحديث عن الشاعر الجزائري مفدي زكريا « الذي عاش منضلا من أجل تحرير الجزائر ومن أجل تحرير بلاد المغرب العربي الكبير من الاستعمار الفرنسي، كما آمن بضرورة تحقيق وحدة المغرب العربي ووحدة شمال إفريقيا، وقد حمل على عاتقه همّ القضية العربية وتحرير فلسطين..وقد سعد مفدي بتحقّق هدفه وحلمه الأول وذاق سعد باستقلال الجزائر وطرد المستعمر منها، إلا أنه لم ير، كما لم نر نحن، إلى الآن أيا من الأحلام الأخرى تتحقق ».

ويرى الأخضر الابراهيمي أن « ما يخجلنا جميعا اليوم في المغرب العربي، وفي بقية أنحاء العالم العربي أننا نرى العالم من حولنا يتقدّم ونحن نتراجع وفي أحسن الظروف نراوح مكاننا، بل حتى تقّدمنا كان خاطئ لأنه اقتصر على مجالات تقليدية كنا نظن أن التقدم فيها ضروري ».وخلال تساؤله عن « حقيقة المغرب العربي » أكّد الأخضر الإبراهيمي « أنه سؤال كبير ومحيّر »، فحين نرى دولا « أضعف » من بلدان اتحاد المغرب العربي الكبير نجحت في أن تتجاوز مشاكلها السياسية والحدودية وغلّبت مصلحتها الجماعية فإن الإجابة عن هذا السؤال « لا تسرّنا، بل ولا تشرّفنا كثيرا »..

ولأن الحديث عن الأوضاع الحالية للمغرب العربي بات أمرا تقليديا ولا جديد فيه رأى الأخضر الإبراهيمي أن المفيد في مثل هذه الحال « أن نوجّه أنظارنا إلى مناطق أخرى من العالم عالجت وتعالج بعض المسائل المماثلة لتلك التي نواجهها في المغرب العربي الكبير »، متحدّثا عن تجربته كدبلوماسي عاصر نشأة أقوى التكتّلات العالمية اليوم، وهو « اتحاد آسيان »، حيث يقول: « في أواخر الخمسينات وبداية الستينات كان هناك خلاف حاد بين أندونيسيا وجارة، المفروض أنها صديقة لها هي ماليزيا.وكان بين الجارتين ما سماه الزعيم الإندونيسي أحمد سوكارنو في ذلك الوقت بـ « konfrontasi »، « وهني كلمة ولّدها من المصطلح الاتجليزي « Confrontation » »، فالعلاقات بينهما كانت متوترة جدا وعلى حافة التصادم، إلا أنه وبعد سنوات قليلة تمّ تجاوز كثير من المشاكل بين أندونيسا وماليزيا عبر بناء اتحاد دول شرق آسيا « آسيان »..

هذا الاتحاد الآسيوي الذي أرست قواعده وأسسه دول لا تجمع بينها لا وحدة لغة ولا دين ولا حتى تاريخ مشترك، وقد نجح في جعل هذه الدول قوة متكاملة لها ثقل على مستوى العالم »؛ وهنا يتساءل الأخضر الإبراهيمي من جديد: « كيف نجحت هذه الدول فيما فشلنا نحن في تفعيل دور اتحاد مغربنا الكبير؟ ».

منذ أن ظهرت اللبنة الأولى لوحدة المغرب العربي كمشروع بناء إقليمي، بداية من مؤتمر طنجة 1958 وإلى غاية إعلان قيام اتحاد المغرب العربي بمراكش سنة 1989، سجّل الاتحاد المغاربي فشلا في أن يتحوّل من حبر على ورق إلى أرض الواقع كاتحاد فاعل يستفيد منه أكثر من 90 مليون نسمة يسكنون في منطقة استراتيجية هامة تشرف بسواحلها على البحر الأبيض المتوسط والمحيط الاطلسي، وتشكل أقرب رابط بين الإتحاد الأوروبي والقارة الأفريقية.. ورغم ذلك فإن الأمل يبقى قائما في أن تتعامل بلدان المغرب العربي مع بعضها كـ »شريك وسند وداعم قوي » لا كـ »جار يتوجّس منه خيفة »..

فالهند والصين مثالا، حسب الدبلوملسي الجزائري الأخضر الإبراهيمي، « عرفا توترا حادا بينهما سنة 1962، خاصة عندما قامت حرب حول الحدود الشمالية الشرقية بين البلدين، وكانت الحرب قد اندلعت حين رفضت الهند الاستجابة إلى طلبات الصين المتكررة بإعادة النظر في الحدود.. لكن رغم أن التوتّر بين البلدين استمر لزمن طويل إلا أن العلاقات بين الهند والصين لم تنقطع كما لم تمنع المشاكل الحدودية التواصل بينهما »..

ويضيف الإبراهيمي: « شاءت الأقدار أن أزور سنة 2005 نيودلهي، بعد زيارة إلى أندونيسيا بمناسة الاحتفال بمرور خمسين سنة على مؤتمر باندوغ، وتزامنت الزيارة مع زيارة رئيس وزراء الصين إلى الهند، وقد فوجئ المسؤولون في الهند حينها بهذه الخطوة التي فتحت المجال أمام تعاون وتواصل مستمر ومثمر بين البلدين اللذين اتفقا حينها على أن المشاكل الحدودية القائمة بينهما لن تعيق العمل المشترك بين الهند والصين..

وبناء على ذلك قفز التبادل التجاري بين اللبدين في السنة الماضية من 5 مليارات دولار إلى حوالي 12 مليار دولار، ومن المتوقع أن يرتفع هذه السنة إلى ما يزيد عن 40 مليار دولار »؛ ومرة أخرى يكرّر الأخضر الإبراهيمي السؤال « لما لا تتحقق مثل هذه التجربة بين بلدان المغرب العربي الكبير؛ كيف يبقى التعاون بين بلدان تتشارك في الحدود والدين واللغة والثقافة والتاريخ والجغرافيا هزيلا جدا »، فـ « إذا كانت الحدود ببين الجزائر والمغرب غير مفتوحة، لماذا ننتظر، مؤكد أن الوضع لن يستمر على هذه الحال طويلا، ولكن إلى أن تفتح الحدود فإن التنقل بين البلدين ليس ممنوعا، هو متاح للطرفين، مثلما هناك حرية التنقل بين مختلف دول المغرب العربي..

إذن لنتواصل ونتحدث عن المغرب العربي، ونفكر في تطوير العمل المشترك بين بلدانه وتفعيل العلاقات بينها حتى يغدو قوة ذات ثقل ».وفي نفس هذا السياق تحدّث الإبراهيمي عن مثال الهند وباكستان، « فقد عصفت الخلافات بالبلدين منذ أن أعلنت باكستان انقسامها عن الهند وقامت بينهما حروب، ولكن البلدين أنشآ ما يسمونه بـ »Track II diplomacy » وتوسّعت العلاقات مستمرة بين البلدين بهدف بناء مستقبل قوي في ظل الوضع العالمي الحالي »..

ومن أحد مظاهر شلل اتحاد المغرب العربي، الذي يبلغ من العمر اليوم 21 سنة، القطيعة الإقتصادية بين البلدان الأعضاء، فـ »التعامل الاقتصادي مزدهر بين كلّ بلد من بلاد المغرب العربي وبقية دول العالم، إلا فيما بينها، فمثلا علاقات التبادل التجاري بين الجزائر والأرجنتين أكثر بكثير مما يتبادله أي بلد مغاربي مع جاره وأخيه القريب جدا

Leave A Reply

Your email address will not be published.